ابو القاسم عبد الكريم القشيري

408

الرسالة القشيرية

أما أهل الدنيا فأكثر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسماء الملوك وأشعار العرب . وأما أهل الدين فأكثر آدابهم في رياضة النفوس وتأديب الجوارح وحفظ الحدود وترك الشهوات . وأما أهل الخصوصية « 1 » فأكثر آدابهم في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار والوفاء بالعهود وحفظ الوقت ، وقلة الالتفات إلى الخواطر ، وحسن الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب . وحكى عن سهل بن عبد اللّه أنه قال : من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد اللّه بالإخلاص . وقيل : كمال الأدب لا يصفو إلا للأنبياء والصديقين . وقال عبد اللّه بن المبارك : قد أكثر الناس في الأدب ، ونحن نقول : هو معرفة النفس . وقال الشبلي : الانبساط بالقول مع الحق سبحانه ترك الأدب . وقال ذو النون المصري : أدب العارف فوق كل أدب ؛ لأن معروفة مؤدب قلبه . وقال بعضهم : يقول الحق ، سبحانه : من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتى ألزمته الأدب ، ومن كشفت له عن حقيقة ذاتي ألزمته العطب ، فاختر أيهما شئت : الأدب أو العطف . وقيل : مد ابن عطاء رجله يوما بين أصحابه وقال : ترك الأدب بين أهل الأدب أدب . ويشهد لهذه الحكاية الخبر الذي روى « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان عنده أبو بكر ، وعمر ، فدخل عثمان فغطى فخذه وقال : ألا أستحى من رجل تستحى منه الملائكة » « 2 » نبه صلى اللّه عليه وسلم : أن حشمة عثمان ، رضى اللّه عنه ، وإن عظمت عنده فالحالة التي بينه وبين أبى بكر وعمر كانت أصفى . وفي قريب من معناه أنشدوا : في انقباض وحشمة فإذا * جالست أهل الوفاء والكرم

--> ( 1 ) وهم العارفون باللّه . ( 2 ) أخرجه الترمذي عن عائشة رضى اللّه عنها .